يوسف المرعشلي

403

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

لكهنؤ ، ليكون أستاذا للحديث في « دار العلوم التابعة لندوة العلماء » فاعتذر مرارا ، إيثارا للخدمة التي يقوم بها في بلده ، وما يفتح اللّه به عليه من رزق ، ثم أجاب طلبه ، لما بينه وبين الداعي وعشيرته من الود القديم ، وبدأ يدرّس في دار العلوم من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة وألف ، ومكث في دار العلوم نحو سبع عشرة سنة ، يدرّس كتب الصحاح ويخدم الحديث الشريف تدريسا وتحقيقا ، وكتابة وتعليقا ، وتربية وتخريجا ، عاكفا على الدرس والإفادة ، والبحث والمطالعة ، منقطعا إلى ذلك بقلبه وقالبه ، لا يعرف اللذة في غيره ، ولا يتصل بالدنيا وأسبابها ، قانعا باليسير ! زاهدا في الكثير ، مؤثرا للطلبة على نفسه وعياله ، ولإجهاد النفس ، وتحمل التعب في الدرس والمطالعة على راحته ، لا يدخر مالا ، ولا يطمع في مفقود ، ولا يطمح إلى جاه أو منصب ، همه ولذته من العيش أن يعثر على كتاب جديد ، أو بحث مفيد ، أو أن يجد حجة لمذهبه الذي ينصره ، وولي نظارة « دار العلوم » في ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة وألف ، واستقام على ذلك جامعا بين التدريس والإدارة بجد واجتهاد ، وحسن قصد وإخلاص ، حتى دعته دواعي الشوق إلى وطنه ، فاعتزل الخدمة في « دار العلوم » لثلاث خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة وألف ، وعاد إلى مسقط رأسه ، واشتغل بتدريس الحديث الشريف والعلم النافع ، مع زهد وعبادة ، وذكر وتلاوة ، حتى جاءه الطلب من ربه . كان الشيخ حيدر حسن من العلماء الربانيين والمعلمين المربين ، بايع الإمام إمداد اللّه التهانوي المهاجر إلى مكة المكرمة في شبابه عندما سعد بالحج والزيارة وأجازه الشيخ ، واستقام على طريقته وأوراده إلى آخر أيام حياته ، وكان عابدا قواما ، يطيل القيام في صلاة الليل ويكثر القراءة ويطيل السجود ، ويكثر الدعاء والابتهال ، وكان غزير الدمعة ، كثير الخشوع ، طويل القنوت في الصلاة ، يصلي بالناس بالغلس ويطيل القراءة ، وكان يرى أن الأفضل والأصح أن يشرع في الغلس ويختم بالأسفار ، وكان يقرأ القرآن بلحن شجي ، وتجويد وترتيل ، وكانت له اليد الطولى في القراءات العشر ، يقرأ في « الشاطبي » قراءة تحقيق وإتقان ، ويعنى بتصحيح القرآن عناية عظيمة ، ويحذق الفن كأساتذته ، أسس في بلده مدرسة خاصة بتعليم القرآن ، واستقدم لها الأساتذة الكبار من « لكهنؤ » . وكان متضلّعا من العلوم العقلية ، درسها دراسة إتقان وإمعان ، راسخا في النحو وعلوم البلاغة ، بارعا في الهيئة والهندسة ، وعلم « الإصطرلاب » يدرس كتبه الكبار بمهارة وقوة ، وكان متصلبا في المذهب الحنفي ، شديد الحب والإجلال للإمام أبي حنيفة ، عظيم الانتصار له مع إجلال للأئمة الثلاثة ، إلا أنه قد تعتريه الحدة الأفغانية والغيرة المذهبية ، فينتقد الشافعية انتقادا شديدا ، ويتكلم عن الإمام البخاري وجامعه ، مع اعترافه بفضله واشتغاله بتدريسه . وكان منهجه في تدريس الحديث منهجا علميا ، هو أشبه بمنهج المحدثين منه بمنهج الفقهاء ، يذكر المذاهب ، ويذكر أدلتها وما يحتج به أصحابها من الحديث ولا يقصر في ذلك ، ثم يحاكم فيها محاكمة مبنية على علم الأصول والرجال ، أكثر من الدلائل المنطقية والتعليلات العقلية ، وكان طريقه في ذلك طريق العلامة محمد بن علي الشوكاني في « نيل الأوطار » وكان من أشياخ أشياخه ، وكان مؤثرا لكتب علماء اليمن كالعلامة السيد محمد بن إبراهيم الوزير ، والأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني ، والعلامة المقبلي وغيرهم ، وكان مع انتصاره للمذهب الحنفي كثير العطف على تلامذته من أهل الحديث ، شديد الود لأصدقائه الذين يذهبون هذا المذهب . وكان غاية في التواضع ، ولين العريكة ، ومجاراة الطلبة والفقراء ، لا يتميز عنهم بشيء ، ولا يترفّع بعلم أو زهد ، يؤانسهم ويستأنس بهم ويشاركهم في أشغالهم ، كان مع ذلك شديد الغيرة ، أبيّ النفس يثور إذا شعر بإهانة لنفسه أو استخفاف لدينه ، متخفّفا في ملابسه ، ملتزما للعمامة على الطريقة الأفغانية ، وكان ربع القامة ، أحمر اللون ، منور الشيبة ، تلوح على وجهه آثار السهر والعبادة ، من رآه أجلّه وأحبّه . له رسائل قليلة في بعض المسائل الخلافية ، منها : « جزء في رفع اليدين » ، و « جزء في بحث الصاع » ، و « جزء في مسألة الحجاب الشرعي » . كانت وفاته في الخامس عشر من جمادى الأولى